سيرة ذاتية
روايات
مقالات
حوارات
اخبار مريم مشتاوي
جاليري مريم مشتاوي
اصدارات
شعر مريم مشتاوي






ياقوت

29/04/2019 - 07:29:28 pm
الفصل الأول من رواية ياقوت/إلــى ثمار حلب

هناك صباحات مستعصية على الحياة.. وتتكاثر أخيرًا... الشجر فيها يعوي والكلاب تحتها خائفة... وعواميد الكهرباء تقف كالبلهاء إلى جانب الطرقات تنتظر من ينظم نشراتَها السوداء المزدحمة فوقها... وساعي البريد مثقلاً برسائل لا يتسلّمها أحد... أتعلمون أن ساعة "بيغ بان" تذكّر السكان منذ أكثر من خمس سنوات بأنها السابعة صباحًا ولا أحد يخرج  كلهم نيام من شدة الضجر...

 

وأنا صغيرة وأصغر يوميًّا إلى أن أصبح قلمي أكبر مني ...حاولت أن أسنده بكتفي علّني أكتب .. علّني أعترض... لكنه وقع على رأسي فطحت أرضًا...واليوم صغرت جدًّا ولكن قبل أن تدوسني رجلك العملاقة دعني أرفع عيني قليلًا لأقول:

 

السلام عليك يا حلب يا من فرغت منك النعمة ولَـم يكـن الـرب معـك مباركـة أنـت بيـن المـدن المنكوبة...

 

مباركة ثمار بطنك الغارقة... مباركة... مباركة... مباركة...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

!+

ضيـــاع

 

 

 

لم يتذكر شيئًا... كان هناك فراغ كبير يجمع بين لحظات قريبة مضت وحاضر غريب...

 

كان ممددًا على الشاطئ وطاقم من المسعفين حوله يتكلمون بلغة لا يفهمها. كان يشعر بالدوار وتتشابك الوجوه حوله بعضها ببعض.. وفجأة شعر بيد دافئة تمسك يده... شعر وكأن الدفء يتسلل من اليد ويتسحب تحت جلده ليخترق أبعد نقطة في خارطته المبعثرة، وكأنها المرة الأولى التي يتعرف بها على الدفء.

 

ثم سمع صوتًا مشحونًا بالحنان يقول له:

 

شو اسمك؟

 

نظر إليها باستسلام يشبه اقتراب ساعة المنية، وقال:

 

- محمد... أنا محمد من الشام... سافرت بالبحر كنت هربان من الحرب...

 

- طيب قادر تحكي... فيك تعطيني معلومات أكتر هلأ أو ارجعلك بعدين؟

 

لو سمحت لا تروحي بحاجة احكي... أنا ما متذكر أي شي غير أني تركت شاطئ تركيا مع حبيبتي ياقوت وكنا باتجاه اليونان...

 

بس وين أنا؟؟ شو صار بياقوت؟ وينها؟

 

عبثًا كان يحاول أن يغمض عينيه... أن يشد عليهما علّه يعيد التقاط الصور ولكن دون جدوى.

 

كانت الأسئلة تعذبه... تترصد له وكأنها متواطئة مع ذاكرة خبيثة... ذاكرة غسلت صورها كلها في البحر..

 

 

 

من أعلى السماء

 

كانت تنظر إليه من السماء. رأته يمشي وحيدًا.. يبكي ويتألم على فراقها. كم ودت أن تهبط إليه بسرعة وتختطف قبلة.. أن يعرف أنها موجودة وتراه من بعيد... كم تمنت أن تخبره أن وراء الغيوم حياة أخرى.. ركضت مسرعةً إلى غرفة رئيس الملائكة ركعت أمامه ترجوه أن يمنحها زيارة قصيرة إلى الأرض:

 

- ملاكنا ميخائيل أرجوك تسمحلي إنزل زيارة سريعة عالأرض... محمد موجوع لازم شوفه!

 

- ياقوت ممكن تنزلي بس زيارتك رح تكون مدتها دقيقة واحدة.. خليني شوف شو رح يتغيّر بحياة محمد بدقيقة.. ولو قدرت تعملي تغيير إيجابي ممكن أمنحك بالمستقبل زيارة تانية...

 

ارتدت ياقوت فستانًا أبيض طويلًا ورفعت شعرها وزينته بزهر الياسمين.. رافقتها عرائس السماء إلى البوابة الكبيرة... وما إن رآها خادم مملكة السماء حتى انحنى لها وفتح البوابة الرئيسية...

 

همست ياقوت بصوت منخفض:

 

- أبانا الذي في السموات رافقني وانحدرت باتجاه محمد.. كان يمشي في الحديقة المجاورة لبيته... وفجأة ركعت أمامه وهو بحالة من الذهول ورفعت عينيها نحوه وقالت:

- محمد أنا عم شوفك اليوم أكثر....

مبارح كنت بمكان محدد بس اليوم صار فيك تشوفني بأكثر من مكان وبالوقت نفسه...

 

أخذت ياسمينة من شعرها ووضعتها في يده واختفت، فغمرته حالة من النشوة.. حالة من السكر بين الحلم واليقظة.

 

 

 

محمد أيها الدفء المتغلغل في أعماق الروح…

 

اِعتَنِ بنفسك وحين تقسو عليك الأيام انتظر حبيبة ستأتيك في الشتاء بوجه صديقة لتمطرا معًا.. وفي الربيع قد تتفتح بين يديك أوركيدة بيضاء تخترق أبعد نقطة في خارطتك.. وفي فصل الخسائر الكبرى تحتويك وتعيدك إلى أحشائها جنينًا لتلدك من جديد...

 

تباعد الأمكنة والأزمنة يزيد في رائحة الحنين... وللروائــح أرواح تحمل لنا وجوه الأحبة... لذلك ستراني دومًا...

 

كانت ياقوت تكتب الرسالة وهي مستلقية على الغيمة البيضاء وفجأة فتحت منها ثقبًا صغيرًا بيديها العاجيتين لتسترق النظر إليه فرأته متمسكًا بيد المسعفة منال... توقفت عن الكتابة وأظلمت عيناها فاحتجبت الشمس عن الأرض وسمعت صوت يسوع وهو يقول: "يا أبت في يديك أستودع روحي".. كان صدى الكلمات يتكرر في أذنيها...وكأنها عاشت درب الصليب الطويل في نظرة واحدة بعيدة استرقتها إلى حبيبها محمد...

 

فركعت تصلّي:

 

يا أبت قل لي لماذا أشعر بحريق يلتهمني... هل الملائكة أيضًا يشعرون بالغيرة؟

 

يا يسوعي الحبيب سأصرخ الآن مرددة كلماتك في حقل الزيتون لكنني لن أسألك لما تركتني أموت وأبتعد عن حبيبي، بل سأتوسل إليك قائلة: إيلي يلي لا تشبقني... إلهي إلهي لا تتركني... ولا تترك أطفالًا صغارًا يموتون بردًا في عرض البحار.. لا تجعل منهم طعامًا لسمك القرش...

 

أنت قلت: "دعوا الأطفال يأتون إليّ...".

 

أتوسل إليك أن تحضرهم إليك كاملين وليسوا أشلاء مقطعة...

 

لم تكمل ياقوت صلاتها حتى سمعت الطفلة الملاك سما تناديها...

 

سما كانت من الملائكة الأكثر قربًا من رئيس الملائكة... كان يحبها كثيرًا لطاعتها واستسلامها الكلي لمشيئة الله على الرغم منصغر سنها... ولأنها أتت إلى السماء موجوعة بعد أن توفيت بين يدي خمسة دواعش اغتصبوها بوحشية وهي لم تتجاوز الخمس سنوات... ولم يتوقفوا عن اغتصابها حتى بعد يومين من موتها... أرسل إليها رئيس الملائكة ميخائيل حارسَيْن هبطا ليلًا وحملاها بجسدها إلى السماء... هناك كانت في انتظارها القديسة مريم. حممتها ونفخت الحياة في فمها فاستفاقت بذاكرة سماوية جديدة... ومن يومها وسما تضحك وتردد بصوتها الملائكي الجميل:

 

"طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ

 

وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ

 

لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّمسرته

 

فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاه الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فـِي أَوَانِهِ، وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ...

 

تضحك قليلًا ثم تكرر الشطر الأول:

 

طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار..

 

ركضت سما باتجاه ياقوت ورمت بنفسها عليها:

 

- سماي الحلوة أهلًا وسهلًا

 

- ياقوت....الملاك ميخائيل ناطرك تروحي لعنده

 

مسكت ياقوت يد سما وتوجهتا نحو القاعة الكبيرة ووجدتا رئيس الملائكة في انتظارهما.. ابتسم قائلًا:

 

- تعالي يا ياقوت عندي خبر رح يفرح قلبك...صلاتك استجيبت.

 

ضحك وجه ياقوت: الحمد الله بشكر الله على محبته...

 

- تمام بس صار عندك مهمة جديدة! من بكرا رح تصيري تراقبي من بوابة الجنة الرئيسية مراكب البحر المتوجهة من تركيا إلى اليونان... ولما تشوفي مركب عم يغرق بتنزلي تنتشلي الأطفال... لازم تسبقي وصول سمك القرش... وتحملي الأطفال إلى السماء.

 

 

ليلى الصّباغ

 

ليلى الصّباغ شابة هادئة ووديعة من عائلة كاثوليكية محافظة. نشأت صداقة قوية بينها وبين ياقوت منذ الطفولة. كانت ياقوت تلعب مع ليلى في ساحة اللاذقية حين كانت تترك بيروت مكان إقامتها وعائلتها لتزور جدتها نهى في أيام الصيف.

 

وكانت ياقوت تجمع لها حبات الـ "بون بون" بنكهة الفراولة طوال الشتاء حتى لقائهما على أبواب الصيف… وعلى الرغم من أن تلك الحبات كانت تغري ياقوت بشدة، فإنها لمرات عدة كانت تفتح غلافها المزركش تنظر إليها وتعود لإغلاقه. وأحيانًا كانت تقبّلها وتعود لتضعها في سلة القش الصغيرة.

 

كانت ليلى تصلّي في محبسة مار شربل.. ذلك المكان الأقرب إلى السماء.. كانت تصلّي وتبكي وتضيء الشموع وتسجد لساعات طويلة... كانت وحيدة في محبسة تكاد تراها معلقة بالغيوم البيضاء.

 

نامت في المحبسة ثلاثة أيام وهي على هذه الحال لا تكاد تأكل وتشرب. في الليلة الثالثة وبينما كانت غارقة في نومها شعرت بقبلة خفيفة تلامس جبينها. نظرت حولها ولم تجد أحدًا. لكنها لمحت قرب الوسادة رسالة تفوح منها رائحة البخور وشالًا كانت تعرفه جيدًا... كان شال ياقوت الأبيض المصنوع من الحرير.. ذلك الشال الذي كانت ترتديه ياقوت فقط في المناسبات لأنه هدية جدتها الأخيرة قبل موتها.

 

عرفت ليلى أن مار شربل تقبّل صلاتها وأرسل بطلب ياقوت وأن صديقتها تركت لها رسالة...

 

أتت خصيصًا إلى الدير لأنها لم تستطع أن تعرف أي خبر عنها منذ وداعها لها.. كانت تريد أن يخبرها عن مصير صديقتها التي سافرت في البحر بأحد مراكب الموت..

 

فقد كانت تؤمن منذ صغرها بعجائب مار شربل.. وكانت تأتي كل سنة برفقة والدتها من الشام إلى عنايا لزيارته.

 

تحضر معها الشموع والياسمين الشامي والبخور لقدّيسهـا المفضـل وبعض الحلــوى الدمشقيــة التي كانـت توزعهــا علـــى الأطفال الموجوديــن في ساحة الدير.

 

 

 

 

 

رسالتان من ياقوت إلى ليلى

 

الرسالة الأولى

 

حبيبتي ليلى

 

أكتب إليكِ من أعلى السماء... وقد صليت كثيرًا كي تصلك رسالتي... أعرف أنك تتألمين وحيدة... لكنني لن أتركك..

 

هم يتاجرون بنا ليمنحونا اللجوء… هل أخبرك عن رحلة الموت من تركيا إلى اليونان؟لقد تكلم الموت معي بلغات كثيرة لم أفهمها… فهو يتقن كل اللغات واللهجات إلا الشامية وأنا لا أعرف سواها… رجوت الله أن يتجسّد لأجل شآم… ورجوت موسى أن يشق البحر بعصاه مرة أخرى ويحمل شآم فوق كتفه، لكنه تركني وحيدة أتخبط وأنوح وأضرب صدري… أغلقت صلواتي في وجهه… رميت مسبحتي في البحر وأنا أصرخ وأبكي وأشتم وأحاول التشبث بيد محمد.. ورأيت حبات المسبحة تطفو على سطح الماء وترسم وجه طفل حزين.. بدأت رحلتنا الساعة التاسعة مساءً… فقد جمعونا في باص كان يتوقف كل مئة متر ليصعد إليه المزيد من المهاجرين اليائسين حتى أصبحنا مكدسين، بعضنافوق بعض كعلب سردين.. علبة تنطح علبة… فتشعر وكأن الباص سيتفسخ من الأطراف وستخرج الرؤوس والأرجل والأيادي من بين الأجزاء المخلّعة… واستمرت رحلة الاختناق ساعتين.. كنت أتنفس بالتقسيط. وأشعر بأنني أسرق النفس من الركاب الآخرين… فأشفق على حالهم وأحبس نفسي قليلًا كي نتشارك الهواء.وصلنا وأنزلونا من الباص وكأننا بهائم تساق إلى الذبح… وفي ضوء القمر صعدنا الجبل العالي وأنا أمسك بمحمد خشية أن أفقده أو أن أفقد الدرب وأتوه عن المجموعة. وبقينا نتسلق نحو ساعتين… وصلنا إلى القمة تعبين ولاهثين. لم نتوقع رحلة دامية فنحن دفعنا على كل فرد ألفي يورو. كان بعض النسوة يلبسن الأحذية الخفيفة وبعضهن أحذية بكعوب متوسطة العلو فبدأن يصرخن من الألم. أقدامهن قد تمزقت وسالت منها الدماء، فبات الدرب الطويل أحمر. استرحنا نحو الساعة إلى أن جاءت البشرى.. كان علينا النزول من الجهة الأخرى وبسرعة… منحدر شديد القسوة تضاهي قسوته الحرب وبراميلها المتفجرة، فلم يمزق أقدامنا فحسب، بل أدمى أجسادنا… وقعنا على الصخر عشرات المرات والمرات ولم يكن لنا الحق لا بالبكاء ولا بإصدار أي صوت. ساقونا إلى الأسفل وبعد نحو ساعة من العذاب وصلنا حاملين الحقائب على ظهورنا.. كنت أحمل سترة الإنقاذ بيدٍ، وأتمسك بمحمدباليد الأخرى. اكتمل العدد في الأسفل، وبدأوا يحمّلوننا بالمركب المطاطي البالم الذييتوجه إلى قارب كبير… يحمل المركب كل ثمانية أشخاص ليوصلهم إلى متن القارب.. وهكذا حتى أصبح عددنا على القارب سبعة وتسعين شخصًا.. بدأ القارب بالسير، ولم يعد في إمكاني التنفس فأنا يا صديقتي كما تعرفين أعاني من الربو.. لم يكن هناك أي حل أمامي سوى التسلق على ظهور ورؤوس الرجال لأصل إلى الأعلى، ووجدت نفسي أقف بالقرب من المهرب العظيم. بدأ يصرخ ويهدد ويعد بقتلي إن لم أعد إلى الأسفل، لكنني تجاهلت تهديداته فسحب سلاحه ليخيفني.. لم أتحرك من مكاني وفضّلت الموت برصاصة على الموت اختناقًا.. أما محمد فكان في قلب القارب فلم أستطع الوصول إليه ولكن الحمدلله كان هناك شباك صغير ففتحه.. عفوًا نسيت أن أخبرك كيف كانوا يرمون بنا على المركب المطاطي الذي كان سيوصلنا إلى جزيرة.. بعض الأطفال سقطوا في المياه وبدأ الشباب يقفزون بسرعة ليعيدوهم إلى المركب المطاطي. ولمّا حان دوري لم يكتف المهرب برميي بل أعجب بالجاكيت فأخذها مني بوحشية.

 

عطشنا.. وعطشنا.. جعنا.. والأطفال يبكون على المركب...

 

هل تذكرين يا ليلى حبات الـ "بون بون" بنكهة الفراولة؟ كنت أقاومها لأنني أحبك وكأنني بها أستعد لمقاومة أكبر.

 

 

 

الرسالة الثانية

 

ليلى حبيبتي الغالية

 

صلاتك وصلتني.. وكم أشعر بالخجل أمام عجزي... أشعر كأن الشر يغلبني... فأنا يوميًّا أتسابق مع سمك القرش... أراه من ثقب الغيمة الكبيرة يشق البحر ليفترس طفلًا سقط من مركب... فأطير سريعًا لأنتشل الصغير قبل أن يلتهمه...

 

لا أعـرف يـا ليلى،لكنني أفكر في وحدتي.. هل داعش وسمك القرش لا يتلذذون إلا بطعم الصغار؟

 

صلّي لي يا ليلى حتى الملائكة يحتاجون الصلاة... هل تعرفين أنني أحتاج إلى فريق كامل يساعدني علىسباقي مع القرش يوميًّا... لكنني وحيدة يا ليلى وقرش البحر كله يهزأ من ضعفي...

 

حين أعلمني الملاك ميخائيل بمهمتي الجديدة في إنقاذ الأطفال فرحت ولم أكن أعرف أن الملائكة يتعبون أيضًا... لم أكن أعرف أن الشر يغلب الملائكة أحيانًا... نعم يغلبهم... والملائكة تبكي يا ليلى...

 

في رحلتي الأخيرة وأنا أحمل طفلًا من البحر إلى السماء وأحتفل في سري بفوزي على سمكة قرش كبيرة كنت قد وصلت قبلها إلى الصغير... فجأة وقبل وصولي إلى بوابة السماء بنحو عشر دقائق سمعت صراخ طفل آخر... صراخًاعميقًا من وسط البحر المتعلق بالساحل اليوناني وشعرت برِجْل الصغير وهي تُؤكل... ورحت أصرخ وأنوح وكم تمنيت أن أتخلى عن أجنحتي السماوية... فتلك الأجنحة إن لم تكن تكفي لإنقاذ الكل وأعني الكل.. كل الأطفال... قولي لي ما نفعها؟ ما نفعها يا ليلى...

 

اليوم فهمت لما عشت حرب بيروت في صغري ربما كي أعيش حرب الشام في موتي؟

 

أستعيدها اليوم علّني أستجمع قوتي في حربي الخاسرة ضد القرش... نعم أريد أن أتذكر تفاصيل حرب عشتها في صغري... لأنني حينها سأتذكر قدرتي وأصدقائي الصغار على التأقلم مع الموت والتعود عليه ومصادقته... أتذكرين يا ليلى؟ أخبرك حين كنت صغيرة كيف استطعنا أن نحول الملجأ الذي كنا نسرع إليه عندما يشتد القصف علينا في منطقة فرن الشباكاللبنانية إلى مكان أليف، وقد يكون في أوقات كثيرة مسليًّا. أذكر أننا كنا نتجمع فيه لنلعب الورق وأحيانًا نغني ونضحك... وكانت النسوة يجلسن في شكل دائري لتقطيع البقدونس،فالتبولة كانت من أهم مأكولات الملجأ... وأحيانًا كنا نبدأ بالرقص والتصفيق والدوران... والصواريخ تلعلع فوقنا.

 

أتذكر جيدًا كيف كانت عمتي ميليا تلف لنا سندويشات موز وسكر حين تخذلنا "المونة"... لكن تلك الساندويشات ما كانت قطقصاصًا... كنا نحبها يا ليلى وتعودنا عليها أيضًا.

 

في الملجأ كانت دائمًا هناك عجائب نتبادل الأحاديث عنها، وكأن موسم العجائب يطل علينا فقط أيام الموت..

 

اليوم بعد مرور سنوات طويلة وتتابع حروب كثيرة هنا وهناك... حروب متنوعة من البراميل والطيران وآخرها أعظمها حربي الدائمة مع القرش... أدركت الآن أن سكان الملجأ الصغار هم العجيبة الحقيقية. إن حبنا للحياة هو القوة الخارقة التي ندفع بها الصخرة عن باب القبر... حبنا للحياة هو القيامة.

 

هل الحرب اللبنانية والحرب السورية في حياتي كانتاتدريبًا لحرب طويلة أعيشها مع القرش؟

صلّي لي يا ليلى حتى الملائكة يضعفون.

 

خرجت ليلى من المحبسة تمشي في باحة الدير وتتذكر أيام الطفولة وكيف كانت تمضي مع ياقوت ساعات طوال تحت شجرة الرمان التي حفرتا على جذعها معًا علامة تشبه الصليب. كانتا تركعان قرب الشجرة وتصليان لساعات بسبب تأثرهما بقصة ظهور العذراء على الأطفال الثلاثة.. قصة كانت ترويها لهما الجدة ماري.. فبحسب قول الجدة كان الأطفال يصلون المسبحة لتظهر عليهم العذراء مريم باستمرار وتتكلم معهم وتخبرهم بأسرار السماء.

 

العذراء لم تظهر لياقوت وليلى تحت الشجرة على الرغم من صلاتهما المكثفة..

 

لكن ياقوت كانت تخبر ليلى أن العذراء كانت تزورها في الحلم كل ليلة وتحمل لها كأسًا صغيرة من الماء، تسقيها منها، ثم تصحو لتجد نفسها وحيدة. لم تصدق ليلى صديقتها وكانت تعتقد أنها تقول ذلك فقط لتزعجها ولتلمح لها أن العذراء تفضلها عليها..

 

 


اضف تعليق
عدد التعليقات :0
* الاسم الكامل
البريد الالكتروني
الحماية
* كود الحماية
البلد
هام جدا ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
مواضيع متعلقه
الفصل الأول من رواية ياقوت/إلــى ثمار حلب الفصل الأول من رواية ياقوت/إلــى ثمار حلب الأرض الطيبة تدور حول نفسها الأرض الطيبة تدور حول نفسها الفصل الثاني  -رواية ياقوت /  آلان الصغير/مريم مشتاوي الفصل الثاني -رواية ياقوت / آلان الصغير/مريم مشتاوي رواية ياقوت - الفصل الاول -ضياع رواية ياقوت - الفصل الاول -ضياع
تعليقات
Copyright © mariammichtawi.com 2011-2022 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع مريم مشتاوي
Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com