سيرة ذاتية
روايات
مقالات
حوارات
اخبار مريم مشتاوي
جاليري مريم مشتاوي
اصدارات
شعر مريم مشتاوي






ياقوت

20/06/2017 - 06:45:14 pm
رواية ياقوت - الفصل الاول -ضياع

 

رواية ياقوت - الفصل الاول -ضياع

 

لم يتذكر شيئاً ... كان هناك فراغ كبير يجمع بين لحظات قريبة مضت وحاضر غريب...

كان ممداً على الشاطئ وطاقم من المسعفين حوله يتكلمون بلغة لا يفهمها. كان يشعر بالدوار وتتشابك الوجوه حوله ببعضها البعض.. وفجأة شعر بيد دافئة تمسك يده... شعر وكأن الدفء  يتسلل من اليد ويتسحب تحت جلده ليخترق أبعد نقطة في خارطته المبعثرة، وكأنها المرة الأولى التي يتعرف بها على الدفء.

ثم سمع صوتاً مشحوناً بالحنان يقول له:

شو اسمك؟

نظر إليها باستسلام يشبه اقتراب ساعة المنية وقال :

-محمد ... أنا محمد من الشام... كنت مسافر بالبحر هارب من الحرب ...

-طيب قادر تحكي... فيك تعطيني معلومات أكتر هلأ أو ارجعلك بعدين؟

لو سمحت لا تروحي بحاجة احكي ... أنا ما متذكر أي شي غير أني تركت شاطئ تركيا مع حبيبتي ياقوت وكنا باتجاه اليونان...

بس وين أنا؟؟ شو صار بياقوت؟ وينها ؟

عبثاً كان يحاول أن يغمض عينيه ... أن يشد عليهما عله يعيد التقاط الصور ولكن دون جدوى.

كانت الأسئلة تعذبه ... تترصد له وكأنها متواطئة مع ذاكرة خبيثة ... ذاكرة غسلت صورها كلها في البحر..

 

من أعلى السماء

 

كانت تنظر إليه من السماء. رأته يمشي وحيداً .. يبكي ويتألم على فراقها .  كم ودت أن تهبط إليه بسرعة وتختطف قبلة .. أن يعرف أنها موجودة وتراه من بعيد ... كم تمنت أن تخبره أن وراء الغيوم حياة أخرى .. ركضت بسرعة إلى غرفة رئيس الملائكة ركعت أمامه ترجوه أن يمنحها زيارة قصيرة إلى الأرض:

-ملاكنا مخائيل أرجوك تسمحلي انزل زيارة سريعة عالأرض... محمد موجوع لازم شوفه!

-ياقوت ممكن تنزلي بس زيارتك رح تكون مدتها دقيقة واحدة.. خليني شوف شو رح يتغيّر بحياة محمد بدقيقة .. ولو قدرت تعملي تغيير إيجابي ممكن أمنحك بالمستقبل زيارة تانية...

ارتدت ياقوت فستاناً أبيض طويلا ورفعت شعرها وزينته بزهر الياسمين.. رافقتها عرائس السماء إلى البوابة الكبيرة... وما إن رآها خادم مملكة السماء حتى انحنى لها وفتح البوابة الرئيسة...

همست ياقوت بصوت منخفض :

-أبانا الذي في السموات رافقني

وانحدرت باتجاه محمد.. كان يمشي في الحديقة المجاورة لبيته... وفجأة ركعت أمامه وهو بحالة من الذهول ورفعت عينيها نحوه وقالت:

-محمد أنا عم شوفك اليوم أكثر ....

مبارح كنت بمكان محدد بس اليوم صار فيك تشوفني بأكترمن مكان وبالوقت نفسه...

أخذت ياسمينة من شعرها ووضعتها في يده واختفت، فغمرته حالة من النشوة  ..  حالة من السكر بين الحلم واليقظة.

محمد أيها الدفء المتغلغل في أعماق الروح…

اعتني بنفسك وحين تقسو عليك الأيام انتظر حبيبة ستأتيك  في الشتاء بوجه صديقة لتمطرا معاً وفي الربيع قد تتفتح بين يديك أوركيدة بيضاء تخترق أبعد نقطة في خارطتك.. وفي فصل  الخسائر الكبرى تحتويك وتعيدك إلى أحشائها جنيناً لتلدك من جديد ...

تباعد الأمكنة والأزمنة يزيد من رائحة الحنين ... وللروائح أرواح تحمل لنا وجوه الأحبة... لذلك ستراني دوماً...

كانت ياقوت تكتب الرسالة وهي مستلقية على الغيمة البيضاء وفجأة فتحت منها ثقباً صغيراً بيديها العاجيتين لتسترق النظر إليه فرأته متمسكاً بيد المسعفة منال ... توقفت عن الكتابة وأظلمت عيناها فاحتجبت الشمس عن الأرض وسمعت صوت يسوع وهو يقول: "يا أبت في يديك أستودع روحي" .. كان صدى الكلمات يتكرر في أذنيها...وكأنها عاشت درب الصليب الطويل في نظرة واحدة بعيدة استرقتها إلى حبيبها محمد ...

 

فركعت تصلي:

يا أبت قل لي لماذا أشعر بحريق يلتهمني ... هل الملائكة أيضاً يشعرون بالغيرة؟

يا يسوعي الحبيب سأصرخ الآن مرددة كلماتك في حقل الزيتون ولكني لن أسألك لما تركتني أموت وأبتعد عن حبيبي بل سأتوسلك قائلة : إيلي يلي لا تشبقني... إلهي إلهي لا تتركني...

ولا تترك أطفالاً صغار يموتون برداً في عرض البحار .. لا تجعل منهم طعاماً لسمك القرش ...

أنت قلت : "دعوا الأطفال يأتون إليّ..."

أتوسلك أن تحضرهم إليك كاملين وليس كأشلاء مقطعة...

لم تكمل ياقوت صلاتها حتى سمعت الطفلة الملاك سما تناديها...

سما كانت من الملائكة الأكثر قرباً من رئيس الملائكة ...كان يحبها كثيراً لطاعتها واستسلامها الكلي لمشيئة الله رغم صغر سنها...ولأنها أتت إلى السماء موجوعة بعد أن توفيت بين يدي خمسة دواعش اغتصبوها بوحشية وهي لم تتجاوز الخمس سنوات ... ولم يتوقفوا عن اغتصابها حتى بعد يومين من موتها... أرسل لها رئيس الملائكة مخائيل حارسين هبطا إليها ليلاً وحملاها بجسدها إلى السماء... هناك كانت بانتظارها القديسة  مريم.  حممتها ونفخت الحياة في فمها فاستفاقت بذاكرة سماوية جديدة... ومن يومها وسما تضحك وتردد بصوتها الملائكي الجميل:

"طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ

وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ

لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مسرته

فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاه الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ، وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ...

تضحك قليلاً ثم تكرر الشطر الأول:

طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار..

ركضت سما باتجاه ياقوت ورمت بنفسها عليها:

-سماي الحلوة أهلا وسهلا

ياقوت .... الملاك مخائيل ناطرك تروحي لعنده

مسكت ياقوت يد سما وتوجهتا نحو القاعة الكبيرة ووجدا رئيس الملائكة بانتظارهما.. ابتسم  قائلاً:

-تعالي يا ياقوت عندي خبر رح يفرح قلبك ...صلاتك استجيبت.

ضحك وجه ياقوت : الحمد الله بشكر الله على محبته ...

تمام بس صار عندك مهمة جديدة! من بكرا رح تصيري تراقبي من بوابة الجنة الرئيسة مراكب البحر المتوجهة من تركيا على اليونان... ولما تشوفي مركب عم تغرق بتنزلي تنتشلي الأطفال... لازم تسبقي وصول سمك القرش ... وتحملي الأطفال  إلى السماء.

 

ليلى الصّباغ

 

ليلى الصّباغ شابة هادئة ووديعة من عائلة كاثوليكية محافظة. نشأت صداقة قوية بينها وبين ياقوت منذ الطفولة. كانت ياقوت تلعب مع ليلى في ساحة اللاذقية عندما كانت تترك بيروت مكان أقامتها وعائلتها لتزور  جدتها نهى في أيام الصيف .

وكانت ياقوت تجمع لها حبات الـ «بون بون» بنكهة الفراولة طول الشتاء حتى لقائهما على أبواب الصيف… رغم أن تلك الحبات كانت تغري ياقوت بشدة، فمرات عدة كانت تفتح غلافها المزركش تنظر إليها وتعود لإغلاقها. وأحياناً كانت تقبلها وتعود لتضعها في سلة القش الصغيرة.

 

كانت ليلى تصلي في محبسة مار شربل .. ذلك المكان الأقرب إلى السماء.. كانت تصلي وتبكي وتضيء الشموع وتسجد لساعات طويلة... كانت وحيدة في محبسة تكاد تراها معلقة بالغيوم البيضاء.

نامت في المحبسة ثلاثة أيام وهي على هذه الحال بالكاد تأكل وتشرب. في الليلة الثالثة وفيما هي غارقة في نومها شعرت بقبلة خفيفة تلامس جبينها. نظرت حولها ولم تجد أحداً. ولكنها لمحت قرب الوسادة رسالة تفوح منها رائحة البخور وشال كانت تعرفه جداً... كان شال ياقوت الأبيض المصنوع من الحرير.. ذلك الشال الذي كانت ترتديه ياقوت فقط في المناسبات لأنه هدية جدتها الأخيرة قبل موتها.

عرفت ليلى أن مار شربل تقبّل صلاتها وأرسل بطلب ياقوت وأن صديقتها تركت لها رسالة...

أتت أتت خصيصاً إلى الدير لأنها لم تسطع أن تعرف أي خبر عن صديقتها منذ وداعها لها.. كانت تريد أن يخبرها عن مصير صديقتها التي سافرت في البحر بإحدى مراكب الموت..

فقد كانت تؤمن منذ صغرها بعجائب مار شربل .. وكانت تأتي كل سنة برفقة والدتها من الشام إلى عنايا لزيارته.

تحضر معها الشموع والياسمين الشامي والبخور لقديسها المفضل وبعض الحلوى الدمشقية التي كانت توزعها على الأطفال الموجودين في ساحة الدير.

 

رسالتان من ياقوت إلى ليلى

الرسالة الأولى

 

حبيبتي ليلى

 

أكتب لك من أعلى السماء ... وقد صليت كثيراً كي تصلك رسالتي... أعرف أنك تتألمين وحيدة ... ولكني لن أتركك ..

هم يتاجرون بنا ليمنحونا اللجوء… هل أخبرك عن رحلة الموت من تركيا إلى اليونان؟  لقد تكلم الموت معي بلغات كثيرة لم أفهمها… فهو يتقن كل اللغات واللهجات إلا الشامية وأنا لا أعرف سواها…رجوت الله أن يتجسّد لأجل شآم … ورجوت موسى أن يشق البحر بعصاه مرة أخرى ويحمل شآم فوق كتفه. ولكنه تركني وحيدة أتخبط وأنوح وأضرب صدري….أغلقت صلواتي في وجهه … رميت مسبحتي في البحر وأنا أصرخ وأبكي وأشتم وأحاول التشبث بيد محمد..ورأيت حبات المسبحة تطفو على سطح الماء وترسم وجه طفل حزين..بدأت رحلتنا الساعة التاسعة مساءً …. فقد جمعونا في باص كان يتوقف كل مئة متر ليصعد إليه المزيد من المهاجرين اليائسين حتى أصبحنا مكدسين فوق بعضنا البعض كعلب سردين.. علبة تنطح علبة … فتشعر وكأن الباص سيتفسخ من الأطراف وستخرج الرؤوس والأرجل والأيادي من بين الأجزاء المخلّعة ….واستمرت رحلة الاختناق ساعتين ..كنت أتنفس بالتقسيط. وأشعر بأني أسرق النفس من الركاب الآخرين… فأشفق على حالهم وأحبس نفسي قليلاً كي نتشارك الهواء.وصلنا وأنزلونا من الباص وكأننا بهائم تساق إلى الذبح … وعلى ضوء القمر صعدنا الجبل العالي وانا أمسك بمحمد خشية أن أفقده أو ان أفقد الدرب وأتوه عن المجموعة. وبقينا نتسلق حوالي ساعتين … وصلنا إلى القمة متعبين ولاهثين. لم نتوقع رحلة دامية فنحن دفعنا على كل فرد ألفي يورو. كانت بعض النسوة يلبسن الأحذية الخفيفة وبعضهن أحذية بكعوب متوسطة العلو فبدأن يصرخن من الألم. أقدامهن قد تمزقت وسالت منها الدماء، فبات الدرب الطويل أحمر. استرحنا حوالي الساعة إلى أن جاءت البشرى .. كان علينا النزول من الجهة الأخرى وبسرعة …. منحدر شديد القسوة تضاهي قسوته الحرب وبراميلها المتفجرة، فلم يمزق أقدامنا فحسب بل أدمى أجسادنا … وقعنا على الصخر عشرات المرات والمرات ولم يكن لنا الحق لا بالبكاء لا بإصدار أي صوت. ساقونا للأسفل وبعد حوالي ساعة من العذاب وصلنا حاملين الحقائب على ظهورنا.. كنت أحمل بيد سترة الإنقاذ، وبالأخرى أتمسك بمحمد.اكتمل العدد في الأسفل، وبدأوا يحمّلونا بالمركب المطاطي البالم  يتوجه إلى قارب كبير … يحمل المركب كل ثمانية أشخاص ليوصلهم على متن القارب.. وهكذا حتى أصبح عددنا على القارب سبعة وتسعين شخصاً.. بدأ القارب بالسير، ولم يعد بإمكاني التنفس فأنا يا صديقتي كما تعرفين أعاني من الربو .. لم يكن هناك أي حل أمامي سوى التسلق على ظهور ورؤوس الرجال لأصل إلى الأعلى، ووجدت نفسي أقف بالقرب من المهرب العظيم. بدأ يصرخ ويهدد ويعد بقتلي إن لم أعد إلى الأسفل ولكني تجاهلت تهديداته فسحب سلاحه ليخيفني .. لم أتحرك من مكاني وفضّلت الموت برصاصة على الموت اختناقاً..أما محمد فكان في قلب القارب فلم استطع الوصول إليه ولكن الحمد لله كان هناك شباك صغير ففتحه..عفواً نسيت أن أخبرك كيف كانوا يرمون بنا على المركب المطاطي الذي كان سيوصلنا إلى جزيرة .. بعض الأطفال سقطوا في المياه وبدأ الشباب يقفزون بسرعة ليعيدوهم إلى المركب المطاطي.وعندما حان دوري لم يكتف المهرب برمي بل أعجب بالجاكيت فأخذها مني بوحشية.عطشنا.. وعطشنا.. جعنا ..والأطفال يبكون على المركب...

هل تذكرين يا ليلى حبات الـ «بون بون» بنكهة الفراولة؟ كنت أقاومها لأني أحبك وكأني بها أستعد لمقاومة أكبر.

 

الرسالة الثانية

 

ليلى حبيبتي الغالية

صلاتك وصلتني .. وكم أشعر بالخجل أمام عجزي ... أشعر كأن الشر يغلبني ... فأنا يومياً أتسابق مع سمك القرش... أراه من ثقب الغيمة الكبيرة يشق البحر ليفترس طفلاً سقط من مركب ... فأطير سريعاً لأنتشل الصغير قبل أن يلتهمه....

لا أعرف يا ليلى ولكني أفكر في وحدتي.. هل داعش والأسد وسمك القرش لا يتلذذون إلا بطعم الصغار؟

صلي لي يا ليلى حتى الملائكة يحتاجون الصلاة ... هل تعرفين أني أحتاج لفريق كامل يساعدني في سباقي مع القرش يومياً... ولكني وحيدة يا ليلى وقرش البحر كله يهزأ من ضعفي ...

حين أعلمني الملاك مخائيل بمهمتي الجديدة في إنقاذ الأطفال فرحت ولم أكن أعرف أن الملائكة يتعبون أيضاً ... لم أكن أعرف أن الشر يغلب الملائكة أحياناً... نعم يغلبهم... والملائكة تبكي يا ليلى...

في رحلتي الأخيرة  وأنا أحمل طفلاً من البحر إلى السماء وأحتفل في سري بفوزي على سمكة قرش كبيرة كنت قد وصلت قبلها إلى الصغير .... فجأة وقبل وصولي إلى بوابة السماء بحوالي عشر دقائق سمعت صراخ طفل أخر ... صراخ عميق من وسط البحر المتعلق بالساحل اليوناني وشعرت برجل الصغير وهي تُؤكل... ورحت أصرخ وأنوح وكم تمنيت أن أتخلى عن أجنحتي السماوية... فتلك الأجنحة إن لم تكن تكفي لإنقاذ الكل وأعني الكل .. كل الأطفال ... قولي لي ما نفعها؟ ما نفعها يا ليلى...

اليوم فهمت لما عشت حرب بيروت في صغري ربما كي أعيش حرب الشام في موتي؟

أستعيدها اليوم علّني أستجمع قوتي في حربي الخاسرة ضد القرش...

نعم أريد أن أتذكر تفاصيل  حرب عشتها في صغري... لأني حينها سأتذكر قدرتي وأصدقائي الصغار على التأقلم مع الموت والتعود عليه ومصادقته ... أتذكرين يا ليلى؟  أخبرك حين كنت صغيرة كيف استطعنا أن نحول الملجأ الذي كنا نسرع إليه عندما يشتد القصف علينا في منطقة الحدث اللبنانية إلى مكان أليف، وقد يكون في أوقات كثيرة مسلياً.  أذكر أننا كنا نتجمع فيه لنلعب الورق وأحياناً نغني ونضحك ... وكانت النسوة يجلسن في شكل دائري لتقطيع البقدونس، فالتبولة كانت من أهم مأكولات الملجأ... وأحياناً كنا نبدأ بالرقص والتصفيق والدوران... والصواريخ تلعلع فوقنا.

أتذكر جيداً كيف كانت عمتي ميليا تلف لنا سندويشات موز وسكر حين تخذلنا " المونة" ... لكن تلك الساندويشات ما كانت أبداً قصاصاً...  كنا نحبها يا ليلى وتعودنا عليها أيضاَ.

في الملجأ كانت دائماً هناك عجائب نتبادل الأحاديث عنها، وكأن موسم العجائب يطل علينا فقط أيام الموت ..

اليوم بعد مرور سنوات طويلة وتتابع حروب كثيرة هنا وهناك... حروب متنوعة من البراميل والطيران وآخرها أعظمها حربي الدائمة مع القرش ...  أدركت الآن أن سكان الملجأ الصغار هم العجيبة الحقيقية. إن حبنا للحياة هو القوة الخارقة  التي ندفع بها الصخرة عن  باب القبر ... حبنا للحياة هو القيامة.

هل الحرب اللبنانية والحرب السورية في حياتي كانت تدريباً لحرب طويلة  أعيشها مع القرش؟

صلي لي يا ليلى حتى الملائكة يضعفون.

 

خرجت ليلى من المحبسة تمشي في باحة الدير وتتذكر أيام الطفولة وكيف كانت تمضي مع ياقوت ساعات طويلة تحت شجرة الرمان التي حفرتا على جذعها معاً علامة تشبه الصليب. كانتا تركعان قرب الشجرة وتصليان لساعات طويلة بسبب تأثرهما بقصة ظهور العذراء على الأطفال الثلاثة.. قصة كانت ترويها لهما الجدة ماري .. فحسب قول الجدة كان الأطفال يصلون المسبحة لتظهر عليهم العذراء مريم باستمرار وتتكلم معهم وتخبرهم بأسرار السماء.

العذراء لم تظهر لياقوت وليلى تحت الشجرة رغم صلاتهما المكثفة..

ولكن ياقوت كانت تخبر ليلى أن العذراء كانت تزورها في الحلم كل ليلة وتحمل لها كأساً صغيراً من الماء، تسقيها منه، ثم تصحو لتجد نفسها وحيدة. لم تصدق ليلى صديقتها وكانت تعتقد أنها تقول ذلك فقط لتزعجها ولتلمح لها أن العذراء تفضلها عليها..

 

صلاة وكفر

 

جلست ياقوت على الغيمة تصلي:

يا أيها الرب القدير لم تضعني في مواجهة سمك قرش البحر كله؟  قلت في كتابك "الحق اقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا الى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم" ... وها أنا أصلي وأنت تعرف ياقوتك يا ربي .. تعرف ملاكك ... تعرف كم أحبك ... وكم أؤمن بك وحدك... لم تتركني وحيدة في مواجهات معظمها خاسرة؟

أمس وخلال عودتي إلى السماء بعد إنقاذي طفلة كانت على وشك أن يلتهمها القرش ... جلبت لي الريح صوت أم تبكي على الشاطئ اليوناني  وتروي حادثة مريعة، تكررها المرة تلو المرة .... كانت تشهق بالبكاء وهي تروي قصة  غرق زورقين متجهين من مدينة بودروم الساحلية جنوب غرب البلاد إلى جزيرة كوس اليونانية، وتتحدث عن جثة طفل صغير يرتدي قميصا أحمر وسروالا قصيرا أزرق وهو ملقى على وجهه  على شاطئ يقع قرب بدروم.... سمعتها  تبكي وتقول:

" هاد الرب لبيترك طفل يموت بهالطريقة هو رب ظالم".

فتجيبها جارتها سامية التي هربت أيضاً مع طفلها:

-لا هو مو ظالم يا كريمة دخيلك لا قولي هيك ليكنا نحنا وزغارنا وصلنا الشط .... دخيلك لا بقى تحكي بهالطريقة يقوم يغضب علينا ويموت زوجي بالبحر نسيت إنو أبو علي بدو يلحقنا بعد أسبوعين ..

سامية لا تكوني جبانة... لك شو بدو يعمل فينا بعد ... يعني بيوتنا تدمرت وهو عم يتفرج ... وتقريباً أطفال الشام يا بلعتهم البراميل يا أكلهم القرش... خلصيني عاد … كيف ممكن صدق إنه موجود ؟كيف؟ وما بستغرب يطل علينا شي يوم بلحية طويلة..

شوفي يا كريمة لا بقى تحكي معي خليك بعيدة عني ما ناقصني مصايب بسبب لسانك... استغفر الله العلي العظيم  وأتوب إليه...لا إله إلا هو الحي الْقَيُّوم ... يا جبار يا جبار ....

حملت سامية  طفلتها وابتعدت عن صديقتها  وجلست على  صخرة بعيدة بانتظار خفر السواحل وهي ما زالت تتمتم :

(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).

 

 





اضف تعليق
عدد التعليقات :0
* الاسم الكامل
البريد الالكتروني
الحماية
* كود الحماية
البلد
هام جدا ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
مواضيع متعلقه
الفصل الأول من رواية ياقوت/إلــى ثمار حلب الفصل الأول من رواية ياقوت/إلــى ثمار حلب الأرض الطيبة تدور حول نفسها الأرض الطيبة تدور حول نفسها الفصل الثاني  -رواية ياقوت /  آلان الصغير/مريم مشتاوي الفصل الثاني -رواية ياقوت / آلان الصغير/مريم مشتاوي رواية ياقوت - الفصل الاول -ضياع رواية ياقوت - الفصل الاول -ضياع
تعليقات
Copyright © mariammichtawi.com 2011-2022 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع مريم مشتاوي
Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com